بين الديمقراطية والاسلام
كتبهاsalah shnan70 ، في 27 سبتمبر 2007 الساعة: 09:47 ص
د. رفيق حبيب
تعددت مشاريع البرامج السياسية الإسلامية، وتعددت أيضا مشاريع الأحزاب الإسلامية. ومازالت النخبة الحاكمة في مصر خاصة، وبعض الدول العربية، لا تريد إطلاق حرية العمل السياسي، ولا تريد أي مساحة من الحرية للعمل السياسي الإسلامي. وهناك العديد من المواقف والإجراءات التي تجعل بعض الدول العربية، وعلى رأسها مصر وتونس وسورية، على صدارة الدول التي تعمل على استئصال النشاط السياسي الإسلامي بالكامل. ورغم الموقف الحكومي المصري المتشدد، إلا أن مصر شهدت تجارب لتأسيس أحزاب سياسية، وشهدت مشاريع لبرامج أحزاب إسلامية. وفي المعركة الدائرة بين النظام الحاكم والإسلاميين، نرى أن النخبة العلمانية، حاولت دائما إثبات التعارض بين الفكرة الإسلامية والديمقراطية، وبين الفكرة الإسلامية والمدنية، لتصل إلى محاولة إدانة الفكرة الإسلامية سياسيا، من خلال التصنيف الشهير بين المتطرف والمعتدل. وأصبحت القاعدة أن المعتدل هو من يقبل الديمقراطية، والمتطرف هو من يرفض الديمقراطية، ومن لا يقبلها كاملة، ومن لا يقبل قيم الديمقراطية، والتي هي قيم المشروع الليبرالي، ومن لا يقبل مدنية الدولة، والمراد بها علمانية الدولة. تلك المعركة في تصورنا تؤثر سلبا على نشاط الحركات الإسلامية، وطرحها لتصوراتها السياسية. وتجعل الديمقراطية، بما قد يلحق بها من معاني ليبرالية أو علمانية، حكما على المشروع الإسلامي، وهو أمر يؤدي إلى دعم الرؤى المتشددة التي ترفض الديمقراطية أساسا. وبعض تلك الرؤى لا يمكن أن يوصف بالتطرف، لأن هناك من يرى أن العملية الديمقراطية في بلادنا تفتقر للحرية الحقيقية، والبعض يرى أن الديمقراطية هي أسلوب ومنهج سياسي مناسب، ولكنه يرفض الاشتراك في أي عملية تسمى بالديمقراطية، دون أن تكون ديمقراطية حقيقية، مثل موقف جماعة العدل والإحسان في المغرب. وعلى الجانب الآخر، نجد من يرى أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، ويحاول بكل السبل لإثبات عدم التعارض، وكأن الديمقراطية هي الحكم على الفكرة السياسية الإسلامية.
هنا علينا تحديد عناصر المقاربة بين المشروع الإسلامي الحضاري والديمقراطية، فلماذا نبحث عن العلاقة أو المقارنة أساسا؟ أظن أن الهدف المهم للحركات الإسلامية، في مشروعها للنهوض بالأمة العربية والإسلامية، يتمثل في التوصل لآليات للعمل لتحقيق التقدم والنمو والعمران. وهنا تواجه الحركات الإسلامية بالجانب السياسي من مشروعها، ويكون عليها البحث عن الأدوات والآليات المناسبة لإقامة النظام السياسي العادل الذي تنشده. وواجهت الحركات الإسلامية الكثير من الدعوات التي تنشر الديمقراطية وتنادي بها، ووصل الأمر إلى فرض الديمقراطية كشرط على الحركات الإسلامية. وهنا يبرز أهمية تحديد العلاقة بين الحركة الإسلامية أو المشروع الإسلامي، وبين الديمقراطية. فالمطلوب من الحركة الإسلامية تقديم تصورها عن النظام السياسي الأمثل، لتحقيق أهدافها ورسالتها. فالعلاقة بين المشروع الإسلامي والديمقراطية لا تدور حول الغايات العليا للمشروع، فتلك هي جوهر المشروع الإسلامي حسب رؤية أصحابه. وهنا يصبح الجدل بين غايات المشروع الإسلامي والديمقراطية، هو جدل حول أنسب السبل لتحقيق غايات المشروع السياسي الإسلامي. وهنا رأى العديد من المفكرين والحركات الإسلامية، أن آليات العمل الديمقراطي، هي من أنسب الوسائل لتحقيق غايات المشروع الإسلامي. والحقيقة أن آليات العمل الديمقراطي يمكن أن تتحقق في أفضل صورها مع المشروع الإسلامي، لأنه مشروع يقوم على إجماع الأمة، مما يجعل الديمقراطية ليست وسيلة لحكم النخب، بل وسيلة لسيطرة الأمة على العملية السياسية. لهذا يصبح التوفيق بين المشروع الإسلامي والديمقراطية، ليس توفيقا بين قيم وقيم أخرى، بل بين قيم المشروع الإسلامي، وآليات العمل الديمقراطي. وتلك تفرقة مهمة، تجعل المشروع الإسلامي يمثل الفكر السياسي، والديمقراطية تمثل آليات تحقيق هذا الفكر.
لهذا نرى أن العناصر المهمة في مشاريع البرامج السياسية الإسلامية، تبدأ بعملية تكيف مع آليات العمل الديمقراطي وقواعده، من التداول السلمي للسلطة للتعددية لحرية تكوين الأحزاب، للمساواة والمواطنة، بوصفها قواعد بناء النظام السياسي والدولة. وهذه القواعد لا تحدد الهدف والغاية من النظام السياسي، ولا تحدد رسالة الدولة، بل تحدد النظام الذي تحقق من خلاله تلك الرسالة والغاية. وتصبح المهمة الرئيسية للبرامج السياسية، مثل القراءة الأولى لبرنامج حزب الإخوان، هي اكتشاف أي تعارض جزئي بين آليات العمل الديمقراطي وبين بعض قواعد المشروع الإسلامي، حسب تصور أصحابه. وهنا تبرز نقطة أتصورها غاية في الأهمية، وهي تتعلق بعملية تحقيق التكيف مع آليات العمل الديمقراطي، والتي يعتبرها البعض تكيفا أيضا مع العصر والظروف المحلية والإقليمية والدولية، ففي هذه العملية للتكيف قد نجد أن ما يفصل بين تحقيق التكيف الحقيقي والناجح وبين التنازل عن ثابت من ثوابت المشروع شعرة لا يدرك تأثيرها إلا في نهاية عملية التكيف السياسي. لهذا يمكن تحقيق التكيف بين مشروع إسلامي وبين الديمقراطية بقدر من التنازل، قد يكون مرحليا أو نهائيا، ويمكن تحقيق التكيف أيضا بدون أي تنازل، ولكن بقدر من الصعوبات التي تستغرق وقتا لحلها.
وفي التجارب الإسلامية المختلفة، في البلاد العربية والإسلامية، تم استخدام العديد من الطرق للاقتراب من العمل السياسي من داخل المنظومة الديمقراطية، وتلك التجارب في حد ذاتها، تمثل خبرات مهمة جدا للحركات الإسلامية، حيث أنها تعددت في طرقها وفي الظروف المحيطة بها، وفي نتائجها النهائية. لهذا نعتبر كل محاولة لصياغة تصور ديمقراطي إسلامي، هي محاولة في إطار ظروفها الخاصة، ولكنها أيضا تجربة في إطار المشروع الإسلامي العام. لهذا نتصور أن القراءة الأولى لبرنامج الإخوان المسلمين، تدخل في باب محاولة طرح رؤية ديمقراطية إسلامية، أي رؤية لا تقدم المشروع الإسلامي في تصور الإخوان، وتجعل الديمقراطية آلية صالحة لتحقيق هذا المشروع الإسلامي. وهي محاولة تبدو شاملة لمختلف جوانب القضية، مما يجعلها تمثل تحديا مهما للوصول إلى تصور متكامل عن الديمقراطية عندما تكون إسلامية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























