رفيق حبيب
تواجه جماعة الإخوان المسلمين العديد من الانتقادات والمقترحات حول قراراتها ومواقفها السياسية ، وربما يدل ذلك على أهمية الحركة ودورها المؤثر، كما يدل على حالة الحيرة العامة التى تنتاب القوى المعارضة فى مصر، والتى تجعلها لا تستطيع تحديد الطريق الفاعل للتأثير على حالة الاستبداد السياسى الراهنة ، لأن كل الطرق فى النهاية قد لا تحقق المطلوب منها، وهو تغيير النظام السياسى المصرى.
وتتعدد الرؤى تجاه حركة الإخوان المسلمين ، مما يجعل المقترحات تتعدد بصورة كبيرة لدرجة التعارض . فنجد من يدعو جماعة الإخوان المسلمين إلى القيام بمظاهرات بعشرات الألوف تستمر لعدة أيام ، حتى يفرض على النظام قبول الإصلاح السياسى حسب رؤية المعارضة، اى حتى يفرض التحول الديمقراطى على النظام السياسى المصرى. وهنا تطالب الجماعة بالقيام بعمل من أعمال العصيان السياسى الجماهيرى. ومن جانب آخر، يطلب من الجماعة ترك المجال السياسى والعمل السياسى بالكامل والتفرغ للعمل الدعوى والتربوى، والعمل الاجتماعى .. وهنا يدور المطلب حول ترك المواجهة السياسية مع النظام السياسى المصرى، لأن سياسات النظام الأمنية فى حق الجماعة تضرها وتضر عملها الدعوى، وتمنعها من الانتشار بدعوتها بين الناس .
وعلى صعيد آخر، نجد من يطلب من الجماعة أن تتحول بالكامل إلى حزب سياسى، وتترك عملها الدعوى والتربوى والاجتماعى، وتصبح فصيلأ سياسيا ينافس النظام الحالى من أجل الوصول للسلطة وذلك المطلب يغلب الجانب السياسى، ويريد فصله عن أى جوانب أخرى، ليجعل دور جماعة الإخوان منحصراً فى العمل السياسى. وفى مقابل هذا التصور، نجد من يطالب الجماعة بالاحتفاظ بكيانها كهيئة دعوية وعدم تأسيس حزب سياسى، والاستمرار فى العمل الدعوى والتربوى، كجماعة ضغط لا تمارس العمل السياسى المباشر، بل تمارس العمل السياسى غير المباشر بوصفها حركة مؤثرة على الراى العام . وبجانب ذلك نجد من يطالب الجماعة بحل التنظيم ، والتحول إلى فكرة وتيار بين الناس ، بحيث تنتشر الفكرة بين الناس بدون وجود التنظيم وبدون العمل السياسى المباشر، حتى تتمدد الفكرة بدون مواجهة مع النظام الحاكم.
جملة هذه الأفكار تدور حول دعوة الجماعة الى المزيد من الانخراط فى العمل السياسى على حساب العمل الدعوى، أو الى المزيد من الانخراط فى العمل الدعوى على حساب العمل السياسى. وكأن الهدف من ذلك ، أن تركز الجماعة على عملية تغيير الناس ، أو تركز على عملية تغيير النظام السياسى، دون أن تجمع بين العمليتين. ولكن هذه الصورة تجعل من عملية تغيير الأمة ، أو تغيير الفرد والمجتمع ، عملية منفصلة عن المجال السياسى وليس لها تأثير عليه ، وهذا فى الواقع غير صحيح ، خاصة بالنسبة لفكرة جماعة الإخوان المسلمين ورؤيتها ورسالتها. فالأصل فى المسألة هو نوع الرسالة والفكرة التى تعمل الجماعة على نشرها بين الناس .. وفكرة جماعة الإخوان المسلمين تدور حول تغييرالأمة ونظامها الحاكم من أجل استعادة المرجعية الحضارية والدينية للأمة ، بوصفها المرجعية العليا. لهذا تعمل الجماعة على تغيير الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الحكومة، لأن هدفها النهائى هو نهضة الأمة ومقاومة قوى العدوان والاحتلال ، أى تحرير الأمة ، لتحقق بنهوضها رسالتها الحضارية ، وتحقق وحدتها العربية والإسلامية فرسالة الإخوان بهذا المعنى، هي رسالة تغيير وإصلاح الأمة والنظام السياسى، من أجل النهضة والوحدة ، من داخل المرجعية الإسلامية ، بوصفها المرجعية العليا للأمة وهذا العمل يجعل جماعة الإخوان المسلمين ، حركة تغيير اجتماعى.
وهنا تظهر المشكلة فى معظم المقترحات التى تعرض علي الجماعة .. فالمقترحات التى تجعلها تركز على الجانب الدعوى، تغفل ان رسالة الجماعة هى دعوة للتفكيرالشامل والنهضة والوحدة ، وبالتالى هى دعوة لتغيير وإصلاح النظام السياسى، ليس فى مصر فقط بل فى البلاد العربية والإسلامية أيضا . وعندما تركز الجماعة على العمل الدعوى، ستجد أن النظام الحاكم سيقف لها بالمرصاد وسوف يحاصرها ويوجه لها الضربات الأمنية المتتالية ، وسيعمل على تشويه صورتها الإعلامية، وهو ما يقوم به النظام الآن . والنظام الحاكم سيلجأ لهذا الموقف ، لأنه يعرف أن عملية تغيير الأمة سوف تنتهى بتغييره ، ولهذا لن يترك المجال امام جماعة الإخوان حتى تصبح رسالتها منتشرة بين الناس ، مما يمكن الجماعة من قيادة الجماهير لتغيير النظام .. ومن جانب آخر ، لا يمكن للجماعة أن تطالب الأمة بتغيير النظام السياسى، وتقعد هى عن أى فعل سياسى، فيفترض أن الجماعة التى تريد قيادة الأمة تقف أمام الأمة ، لا تقف وراءها، وتتركها تندفع فى عملية التغيير السياسى وتدفع الثمن نيابة عن الجماعة ، بل إن الجماعة ترى أن عليها أن تقود العمل السياسى وتدفع هى الثمن نيابة عن الأمة .
وعلى صعيد آخر، سنجد أن الرأى الذى يطالب جماعة الإخوان المسلمين بترك العمل الدعوى والتفرغ للعمل السياسى، أو يطالبها بقيادة حركة عصيان سياسى أو مدنى، يدفع الجماعة بالفعل للدخول فى معركة تكسير عظام مع النظام السياسى، بأن تقدم نفسها كبديل وحيد للنظام ، وتدخل ضده فى عملية تنافس سياسى مستمر، مما سيجعل المعركة بين الجماعة والنظام تصل لحد معركة الحياة أو الموت . وفى نفس الوقت ، هذا التصور يجعل الجماعة تترك عملها الدعوى والتربوى، وكأنها سوف تتوقف عن عملية تغيير الفرد والأسرة والمجتمع ، وسوف تركز فقط على تغيير النظام السياسى ، مما يعنى انها بذلك تفرض نظاما سياسيا على الأمة لم تجتمع الأمة من حوله بعد، كما يعنى هذا أن التغيير الذى تدعو له الجماعة سوف يتم بتغيير النظام السياسى فقط ، وهذا فى الواقع لا يحقق النهضة واستعادة المرجعية الإسلامية ، لأن فعل النهضة وفعل تفعيل المرجعية العليا فى حياة الأمة ، ليس فعلأ للدولة بل فعلاً للناس جميعا، أى فعل إجماع الأمة بهذا نستطيع وضع تصور عن موقف جماعة الإخوان المسلمين ، فهى تريد تحقيق مشروع استعادة المرجعية الإسلامية ، والنهضة الحضارية ، والوحدة العريية والإسلامية .
ولهذا فليس أمامها الا العمل من أجل تغيير الأمة ثم تغيير النظام السياسى.. ولأنها بهذا تصبح حركة تغيير، فهى فى معركة مع النظام الحاكم ، لأنها تطالب بتغيير النظام السياسى لاستعادة المرجعية الإسلامية لهذا النظام ، واستعادة قيم الحرية والمساواة والشورى والعدل والجماعة تريد تحقيق النهضة العربية والإسلامية واستعادة الدور العالمى والرسالة الحضارية للأمة العربية والإسلامية ، ولهذا فهى فى معركة مع القوى العظمى الحاكمة للعالم ، لأنها بهذا تهدد سيطرة القوى الغريية خاصة الإدارة الأمريكية على المنطقة العربية والإسلامية.
بهذه الصورة نعرف أى اختيارات أمام الجماعة ، فهى ليست جماعة دعوية بالمعنى المحصور فى المجال الدينى، وفى الدعوة لمكارم الأخلاق ، والدعوة لحسن العقيدة ، أو الدعوة لممارسة العبادة ، بل هي جماعة لها رسالة نحوالتغيير الشامل .. وليست المشكلة فى أى الأدوار تمارسها الجماعة ، بل المهم أنها صاحبة رسالة شاملة للتغيير، وبالتالى فهى تدعو من أجل التغيير فى كل المجالات ، ولهذا فهى جماعة دعوية وتربوية وسياسية .. وهنا من المهم التأكيد على أن وجود جماعات تعمل فى العمل الدعوى فقط ، أو وجود من يعمل فى المجال السياسى فقط ، ويتبنى الرؤية الإسلامية الوسطية ، ومشروع النهضة الحضارية ،سوف يكون له عمل مكمل لعمل جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه سوف يكتشف أيضا انه معرض للحصار، لأن المطلوب هو الحفاظ على الأوضاع الحالية والوقوف ضد أى عملية تغيير، فى أى مجال كانت ، حفاظاً على بقاء النظام السياسى الحكم فى السلطة .
ولكن نتصور أن كل جهود فى أى مجال سوف تفيد مشروع النهضة ، ولكن حصرنشاط جماعة الإخوان المسلمين فى ميدان دون غيره ، وبالتالى تغيير رسالتها لتصبح رسالة للتغيير فى مجال دون غيره سوف يؤدى فى الواقع لفقد مشروع النهضة الحضارية الإسلامية للقوة الضاربة الأساسية فى هذا المشروع , وهي جماعات الإخوان المسلمين فى البلاد العريية والإسلامية لهذا فعصر نشاط الإخوان فى مجال بعينه ، هو تراجع يضر الجماعة ويضررسالتها، ويخصم من قوة الدفع لمشروع النهضة الحضارية.